الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

636

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الأحوال ، ويرى نفسه في ملكه لم يذق حلاوة سنته ، لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » « 1 » . وروينا عن سيدنا العارف الكبير أبى عبد اللّه القرشي أنه قال : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، ولا يبقى لك منك شيء . انتهى . فمن آثر هذا النبيّ الكريم على نفسه ، كشف اللّه له عن حضرة قدسه ، ومن كان معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه . ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - نصر دينه بالقول والفعل ، والذب عن شريعته ، والتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار ، والحلم والصبر والتواضع وغيرها ، مما ذكرته في أخلاقه العظيمة ، وتقدم في كلام العارف ابن عطاء اللّه مزيد لذلك قريبا . فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان ، ومن وجدها استلذ بالطاعات ، وتحمل المشاق في الدين ، وآثر ذلك على أغراض الدنيا . لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى ، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجى ، فتنوع المدعون في الشهود ، فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 2 » ، فتأخر أكثرهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه ، فطولبوا بعدالة البينة ، بتزكية يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ « 3 » . فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون ، فقيل لهم : إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم ، فهلموا إلى بيعة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ « 4 » ، فلما عرفوا عظمة ذلك المشترى وفضل الثمن وجلالة من أجرى على يده عقد التبايع ، عرفوا قدر السلعة ، وأن لها شأنا عظيما ، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها بثمن بخس ، فعقدوا معه بيعة الرضوان

--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم . ( 2 ) سورة آل عمران : 31 . ( 3 ) سورة المائدة : 54 . ( 4 ) سورة التوبة : 111 .